ذاتَ أبديّة

اخترتُ مكاناً خالياً…

جلستُ…

وفتحتُ رواية “القلعة” لـ كافكا عند الصفحة التي توقفتُ عندها، فما زال هناك بعض الوقت قبل أن تصل حافلتي…

وعندما كنت أنعطف يميناً برفقة سائق العربة في ذلك الزقاق المظلم، وتحديداً عند الفقرة الثانية من الصفحة الثالثة بعد المائة… شعرتُ بهما!

اثنتان تخترقان مجال طاقتي الروحية، وتحدثان به تموّجات تحرك سكونه المستغرق في القراءة…

كان عليّ أن أترك سائق العربة لشأنه…

رفعت رأسي ببطء طريدةٍ أدركت بحدسها أن مفترسها قد أطبق ناظريه عليها…

تباعدت الأشكال البشرية يمنةً ويسرةً لتنفرج عن بقعة نورٍ خافتة وقفت فيها من كانت تصبّ في بركة سكوني نظرةً تسمرت على عينيّ…

كانت تعلم أنني سأشعر بها…

وكانت تعلم…

أن ابتسامتها التي انبجست من أبدية روحها فارتسمت هادئة سرمديّة على شفتيها وفي زاويتي عينيها ستجعل من لقاء ناظرينا لحظةً لا بداية ولا نهاية لها!

تلاشت الأماكن والأسماء والأزمان…

توقفت الأنفاس وسكنت خفقات القلب…

مرّت الأحقاب ببطءٍ خاطف….

وسارعت بالفرار معلناً هزيمتي أمام طمأنينة روحها…

أرخيتُ ناظريّ وشرعتُ أبحث باضطراب عن سائق العربة الذي كان قد اختفى وراء إحدى الكلمات!

ثانية..

ساعة…

دهران…

ثانيتان..

مازلتُ أسيرَها!

القلعة وكافكا والكلمات كانت دليلي… إذ اهتزّت متداخلةً يبتلعها ضباب الفراغات ما بين السطور..

مدركاً أنني لا خلاص لي إلا رهن إشارتها…

أعلنت هزيمتي للمرة الثانية…

ملوّحاً –كراية استسلام- ببياض عينيّ اللتين خاطبتا صفاء سماءيها المنهالتين على وجودي…

وتلاشت الأماكن والأسماء والأزمان…

توقفت الأنفاس وسكنت خفقات القلب…

مرّت الأحقاب ببطءٍ خاطف….

حسناً، إليكِ ما تريدين…

لأنني، وفي وجه سكينةٍ كاسحةٍ لمتاريسي الشتائية علمتُ… أن لا جدوى…

فأشرعتُ في عينيها ما كانت تبتغيه!

ابتسامةً انبجست من أبديّة روحي فارتسمت هادئة سرمديّة على شفتيّ…

في لحظة لا بداية ولا نهاية لها.

أفلح سحرها… فخطتْ مبتعدةً بيقينِ من علمَ أنه قد بلّغ تحيّة الأقدار دون أن ينطق كلمةً واحدةً.

لم أبارح جسدي…

وانتبهتُ، بعد أن ودّعت محيّاها أنني ما زلتُ متلبّساً ببشريّتي…

جالساً… منتظراً حافلتي التي أتت.

أطبقتُ كافكا…

صعدتُ…

….

راقبتها تبتلعنا وجهاتنا المتباعدة…

كان ذاك ذاتَ أبديّة،

عندما علمتُ أن الملائكة…

تمتطي الحافلات أيضاً!

Leave a Reply