الانتماء… أيضا

جاءت هذه المراسلة كمتابعة في نفس سلسلة المراسلات التي دفعتني لنشر التدوينة الأخيرة، وأجد أنه من الواجب أن تذكر المرأة التي كانت الجندي المجهول نوعا ما إلى جانب والدي… والدتي! تحية وتقدير وامتنان للسيدة المجاهدة نهلة القزق.

أيضا تجدون نص المراسلة التي أرد عليها في ما يلي الرد. كما أصرح أنني خطر لي أن أخفف من هجومي اللفظي على بعض الشخصيات الواردة في ثنايا الكلام، فقد خفت حدة غضبي (يبدو هذا بعد أن عبرت عنه) وأشعر أنه كان عليّ أن أكون أكثر هدوءاً، إلا أن أمانة النقل أوجبت عدم تغيير النص، فعذرا سلفاً عن النعوت والصفات، وأبقي أحكامي على التصرفات قائمة، رغم إمكانية كوني مخطئا فهذا من حقي.

***

سلام جديد لا عنفي عليكم،

أما بالنسبة لوالدتي… فلا أدري إن كان يمكنني الحكم على نقلاتها الفكرية إن صح التعبير… ماأعلمه هو أنها فعلا عبرت عدة مراحل ونقلات، وهي بالمناسبة كانت، قبل أن تكون الشخصية الثانية بعد منيرة قبيسي (إن صح ذلك) تنشط على مستوى الطالبات والطلبة في المرحلة الثانوية وكانت من الشخصيات البارزة حين ذاك، وأذكر أنني شاهدت صورة لها مع جمال عبد الناصر ضمن وفد طلابي في تلك الفترة وكانت حاسرة الرأس… إلا أنها قررت ارتداء غطاء الرأس قرب انتهاء السنة الأخيرة في مرحلة الدراسة الثانوية، وأظن أنها بعد ذلك تعرفت إلى منيرة القبيسي ونشطت معها في الوقت ذاته الذي كانت به تحتل موقعا مميزا في اتحاد الطلبة لقدراتها الخطابية الأدبية العالية.

نهلة القزق هي ابنة عبد العال سليم القزق (رحمه الله)، الرجل الفلسطيني العصامي والمقاول الناجح الذي اختار أن يلجأ إلى العمل الفدائي المسلح في فلسطين وبالذات في مدينته حيفا (حيث ما تزال عقاراته هناك بانتظار من يستردها) وقد احتك هناك بالشيخ نمر الخطيب، وصادف الشيخ تقي الدين النبهاني (الذي اجتمعتُ بحفيدته -أو ابنته- التي كانت صديقة لوالدتي وأدخلتني عالم اللغة الانكليزية تحضيرا للمرحلة الإعدادية) ومن ثم اضطر جدي إلى الهرب من حيفا قبل أو أثناء فترة صدور وعد بلفور، وتطويب فلسطين باسم اليهود بجريمة قانونية تاريخية سوف يستمر العالم بدفع ثمنها إلى أن ترجع الحقوق إلى أصحابها. فلسطين والقضية الفلسطينية لم تغادرا وجدان جدي و حمّلهما لأبنائه ولابنته البكر (والدتي) وأخيها الذي يصغرها (سليم) بشكل أساسي، سليم هذا الذي نشأ على النشاط والحماس لأجل القضية، دارت به الأيام والتطور الطبيعي لشخص مثله واجتمع مع والدي في السجن ذاته بعد أن اقتحمت الدبابات المسجد الأموي في عهد أمين الحافظ، وهناك شاهد والدي فتاة تأتي لزيارة أخيها وتجلب له كتبا ليقرأها… تلك كانت بداية قصة نهلة القزق و عبد الودود يوسف.

في الفترة ما بين ارتداء نهلة غطاء الرأس و لقائها بوالدي نشأ توجه نحو “الالتزام” في عائلة عبد العال سليم القزق (جدي) الذي كان لم يضغط على عائلته سابقا فيما يختص المظاهر الإسلامية رغم أنه كان مؤمنا متمسكا وممارسا على الطريقة الشاذلية، واستمر هذا التوجه متصاحبا مع مواهب واهتمامات والدتي في مجال النشاط العام ومع اللون الجديد الذي أدخلته تجارب والدي إلى المعادلة،و هنا حصل الاحتكاك بالتيار السلفي الألباني وفكر جودت سعيد في الوقت ذاته، ومما يجدر ذكره هنا أن السيدة ليلى سعيد (رحمها الله) ووالدتي ضمن مجموعة من النساء القلائل في تلك الفترة، كن هن اللواتي ارتدين “الجلباب” لأول مرة في سورية (على حد تعبيرهن) والذي انتشر تدريجيا ضمن أسر جودت سعيد و عبد الودود يوسف، ومن ثم انتشاره الأوسع في دمشق وبقية أرجاء البلد.

عبد الودود كما ذكرت لم يكن تابع تنظيميا و حتى فكريا لأحد، رغم تأثره بمعظم من كان حوله من التيارات والشخصيات، وممن لا يغفل أثرهم كان “سيد قطب” وفكرة الحاكمية ومؤلفه المشهور “في ظلال القرآن،” وعلى ما أعتقد أن والدي أراد أن يقوم بنشر فكره عن ضرورة مقاومة الظلم والواقع المتخلف للمسلمين سياسيا اجتماعيا وعلى كافة الصعد، بالطريقة ذاتها التي قام بها “سيد” في “ظلاله” فقام بكتابة (مايسمى، على حد تعبير السيد حامد) “تفسير المؤمنين،” ولم يكن التركيز في ذهن والدي (على ما أعتقد) أثناء كتابته للتفسير، على مراعاة التفسير الحرفي، أو السلامة من الشبهات العقيدية التي يتسلى بها بعض “المتفارغين” كـ “علي موزة” و “علي زرزور” عندما تهالكوا على انتقاد “تفسير المؤمنين” في كتبهم و منشوراتهم من مثل “حضارة الإسلام.”

كان تركيزه منصبا على نشر فكرته الخاصة حول الجهاد والمقاومة، والتي لم يكن ليستطيع تمريرها في كتاب مستقل ضمن أجواء سيطرة حزب البعث والنظام الطائفي “التقدمي” إلا من خلال حيلة بثها عبر تفسير للمصحف الكريم ينتشر بين الناس البسطاء بلغة قريبة و مفهومه، فحصل على السماح بالطباعة والنشر. إلا أن القيادة القومية (أو القطرية) لحزب البعث تنبهت لهذا الأمر و أوصت ضمن تقرير (وصلت نسخة منه لوالدي، واطلعت عليه والدتي) أصدرته بمحاربة انتشار التفسير وحث رجال الدين “المرضي عنهم” على مهاجمته والنيل منه على المنابر، وهنا جاء دور “البوطي”

عبد الودود، أقر أنه يجب إدخال التغييرات و التصحيحات المحقة في التفسير كشرط أساسي إن كان التفسير سينشر مرة ثانية، وهذا ما صرح به والدي لوالدتي عندما كنا نزوره في سجن قلعة دمشق وعبر عن رغبته الملحة في ذلك… “لا تنشروا التفسير أو تعيدوا طباعته قبل إدخال التعديلات والتصحيحات”

فترة بقاء عبد الودود في سجن القلعة لم تطل، فبعد أن كان أتي به من “كراكون الشيخ حسن” حيث تم إجراء التحقيق الأولي معه هو وبقية أفراد الأسرة والأصدقاء الذين ذكرتهم سابقا، تم استدعاؤه للتحقيق مرة أخرى، لكن هذه المرة كان مصيره الاختفاء حتى يومنا هذا! وأنا كنت من شاهده للمرة الأخيرة عندما سمح لي حراس سجن القلعة بالدخول بعد طول رجاء و تذلل من العشرات من النساء اللواتي أنهكهن الانتظار ذلك اليوم، أدخلت له بعض الملابس… والأشواق… الأخيرة.

ما أزال أحتفظ بملخصات والدي للكتب التي كان يدرسها مع جودت، والدروس و المحاضرات وكتب مالك بن نبي، كما كان كتاب “كيف هدمت الخلافة” أحد عشرات المئات من الكتب التي تركها والدي وراءه، كما كان كتب مثل “كيف انتصر الفيتكونغ” و رواية “كيف سقينا الفولاذ” لـ “ليو تولستوي” و سلسلة كتب “لينيننا” ورواية “الأم” لمكسيم غوركي، وفتاوى ابن تيمية…. كتب عباس محمود العقاد مثل “عبقرية عمر” وكتاب “معالم في الطريق” و “في ظلال القرآن” لقطب، والترغيب و الترهيب للنووي، وكتب شوقي أبو خليل و المودودي و ناصرالدين الأباني، ومصطفى محمود و و …. الخ

وأنا، ابن كل ما سبق، ولم أذكر العديد من التفاصيل بالمناسبة!

الآن…

ما هو الغريب يا سيد حامد؟
أن يكون ابن نهلة القزق ” متزوج ويعيش في التشيك وهو من الإسلاميين الجدد ((اللا عنفيين))” على حد تعبيرك، هذا غريب!؟ ولماذا هو غريب؟
ولماذا لم تعمل أسرتك الكريمة على إعادة الصلات بعد أن “انقطعت صلة هذا التيار بأسرتنا بعد أن منعت الدروس التي كانوا ينظمونها أواسط الستينات!!”
وهل “زوجها” نكرة كي لا يذكر اسمه؟

أم أن الناس فقط يبرعون في الكلام على الآخرين!؟

وأيضاً…

هذه هي الفقرة “المخفية” ما قبل “ثانيا” في رسالة سابقة لك سيد حامد:

السؤال الأول
هو استغراب هذا الشخص لأن يكون هناك خلاف سابق بين همام ود.محمد العمار رغم أنه يجدهما جد متشابهين
أنا قلت إنه في غياب حامد فإن الخلافات البسيطة تطفو على السطح بينما تختفي بظهور خصم مشترك
هل لي أن أعلم لم أخفيتها؟ ومن هو هذا “الشخص” الذي تتناول و إياه شؤون وأعضاء المجموعة!؟ وهل هناك مشكلة إن كنت ومحمد العمار متشابهين، أو على خلاف؟ وما المعنى الذي تحاول إيصاله هنا!؟ وأرجو منك يا سيد حامد أن تتواضع قليلا… فعلى ما أظن أن محمد العمار، ويقين عن نفسي، نعتبر حضرتك “مهم” و “خصم” بقدر ما تمثل أفكارك موضوعا يستحق النقاش، وليس ذلك خصومة شخصية كما توحي كلماتك! بالله عليك أنت فعلا تصدق ما قلته!؟ وعندما تراجع بقلب و ذهن مفتوحين مراسلاتنا السابقة ستجد دلائل كثيرة على خطأ نظرية الخصومة المبتذلة (أقل ما يقال بها) التي تفضلت بها هنا… عجيب!

هل من الإخلاص أن يقوم “البوطي” مع احترامي لبعض ما يتفضل به بالـ “الردح” على منابر المساجد، في الوقت الذي ينسى أن يقول كلمة حق لدى سلطان جائر بل مجرم بحق الشعب الذي يتنزل عليه البوطي ببركاته من فوق المنبر!؟ أم من الإخلاص أن تطرد طالبة علم شرعي من محاضرتك في كلية الشريعة وتهينها أمام زملائها، بينما تتبجح بفحولتك علنا في مناسبات مختلفة، كما فعل “التافه” البغا!؟

شتان ما بين ما يقوله جودت (في السر والعلن) بحق الأنظمة العربية والشعوب العربية، وبين الهاربين من متاحف التاريخ الخائفين على مراكزهم بالدرجة الأولى!

وكيف تقارن يا فهلوي زمانك بين من كان ترتيبها الثانية على القطر في الثانوية الشرعية، وبين من لايستطيع قراءة القرآن من البعثيين المدحوشين في كلية الشريعة!؟

“البغا” يستطيع فرد شخصيته “المجعلكة” على من يعلم أنه لن يتسبب له بالأذية، كابنة “المجرم عبد الودود يوسف” (كما سمته كتب البعثيين، رغم اعترافهم أنه لم يمارس العمل العسكري أو العنف،) نعم… انتفشت أسارير هذا التافه… وامتشق حسامه ولسانه، وانطلق لنصرة الله و الدين… وأعلنها حربا لا هوادة بها… على من!! ….. على هذه الفتاة.

أنا واقعي سيد حامد… وأحترم فقط من تطابق أفكاره تصرفاته وادعاءاته، هؤلاء “رجال دين” و في ديننا ليس هذا الصنف معترف به، المعترف بهم هم “العلماء العاملون” كالعز بن عبد السلام الذي تصدى للماليك وظلمهم.

نحن يا سيد حامد، تركنا لنخوض في الحياة بكامل حريتنا، هذا ما فعله لنا آباؤنا إضافة لما زرعوه فينا، وعندما كنتُ أضع المسواك في فمي وأتنقل منتعلا “الشالوخ” و مرتديا الدشداشة وبعض الزغب يتناثر على وجهي، لم ترتعد أمي، لكنها ارتعدت عندما كنت أفكر بالذهاب إلى السعودية لأدرس الشريعة هناك أو عندما كانت تداعب مخيلتي المراهقة فكرة الذهاب للقتال في أفغانستان! فأعلنت سطوتها عليّ وشكرا لها أن قد فعلت. ثم لم ترتعد عندما تحول منزلنا إلى ساحة صراع فكري بين أفكار حزب التحرير والفكر التقليدي السلفي، ثم لم ترتعد عندما شاهدت الابن يعود إلى مشارب والده ويزور صديق والده “جودت” بل صعدت معه الجبل هناك حيث “خميس جودت” كل شهر. وأعانها الله عندما اختفى ولدها قرابة العام ثم عاد صبيحة ذات يوم شتوي.

وعسى أن يجعل الله خواتيم أعمالنا خيرا بفضل منه لا بما اكتسبت أيدينا.

تحية ملؤها السلام…
همّام

***

فيما يلي النص الذي حفزني للرد…

السلام عليكم ورحمة الله

لعل ما أضيفه ليس جديدا ولكنه في إطار قراءة تطور فكر بعض الشخصيات المحورية فكريا بشكل عام
عندما سألت والدي فيما إذا كانت الدكتورة نهلة من دفعته… قال بأنها كانت زميلة لعمتي في الكلية…
[الوالد]ما سبب السؤال…
[الابن]أنا تعرفت على ابنها…
[الوالد]كيف هي؟…
[الابن]أنا لا أعرف عنها شيئا ولكن ابنها متزوج ويعيش في التشيك وهو من الإسلاميين الجدد ((اللا عنفيين))…
[الوالد]هذا غريب فالدكتورة نهلة كانت الشخصية الثانية في هيكلية التبليغ النسائي بعد منيرة قبيسي التي عرف هذا التيار فيما بعد باسمها… وانقطعت صلة هذا التيار بأسرتنا بعد أن منعت الدروس التي كانوا ينظمونها أواسط الستينات!!
أما زوجها فقد انقطعت أخباره بعد الفترة الأولى من التحقيق رغم أنه لم يكن على علاقة بالإخوان وقد شهدت السنوات الأخيرة نقدا شديدا من مجلة حضارة الإسلام التابعة للإخوان لتفسيره المسمى تفسير المؤمنون

***
ومن مراسلة أخرى ما يلي…
ثالثا- مسألة البوطي والبغا وحتى جودت سعيد….إلخ
أعتقد أنه من الأفضل لنا جميعا أن نكون واقعيين ونحترم ولو ضمنيا اجتهاد الطرف الآخر المختلف قليلا أو كثيرا في ظل قرائن تشير إلى أنه مخلص في غايته
أي مطلع على التيار السلفي في الشام حتى أواسط التسعينات كان يعلم رؤية السلفية للدكتور البوطي المنافح عن المذاهب والأشاعرة في وجه خطر يهدد بجعل الأمة مليار مجتهد.. وأنا لم أكن أرى في هذا أي مشكلة حتى 97-98 عندما بدأت بالاحتكاك بمفاهيم ناتجة عن المنهج السلفي وبعض روايات أؤلئك الذين خرجوا من السجون عن أفكار السلفيين الإخوانيين في السبعينات والتي يبدو معها رضاع الكبير أمرا بسيطا…. هنا ألتمس قليلا من العذر للدكتور البوطي في مهاجمته لكل ما تفوح منه رائحة السلفية
وأما كونه بوقا للسلطة فقد دار نقاش طويل هنا بهذا الشأن بدأته رزان ولكنني أكتفي بدعوة الجميع مقارنة هذا الاتهام باتهام موجه لجودت وخالص ومن لف لفهم بأنهم أبواق للعولمة والتغريب؟
في النهاية خسر البوطي جولة شد الحبل مع السلفية ليس بفضل بنيتها بل لأنه دفعها من الألباني إلى الدكتور عبد الله عزام في كتابه الجهاد أما موضوع البغا فنفس الأمر ولكن صديقي همام:: عندما دخلت الميكانيك عام 1990 كان الدخول إلى كلية الشريعة أصعب من كلية الرياضيات لطالب العلمي ولكنه متاح لمجرد كونك حزبي ناجح؟؟ما هو المعيار الذي تريد من البغا وأمثاله تطبيقه لكي يحاول أن يؤخر وجود قاض شرعي في بلدتي منذ أعوام لا يعرف كيف يقرأ القرآن؟

Leave a Reply